الحقيقة وراء ثراء مشاهير تيك توك وسناب شات: بين الواقع والوهم
هذا التساؤل يراود الملايين، والدهشة هنا طبيعية ومنطقية جداً. رؤية شباب في مقتبل العمر يمتلكون أحدث السيارات الفارهة ويعيشون في فلل فاخرة في الرياض ودبي يثير التساؤل البديهي: "هل فعلاً هذه المنصات تدر كل هذه الأموال، أم أن هناك مصادر أخرى؟".
الإجابة المختصرة هي: نعم، جزء كبير جداً من هذه الثروات حقيقي ومثبت بالأرقام، ولكن هناك أيضاً جوانب مخفية وتكتيكات تسويقية تعطي انطباعاً بـ "الثراء الخيالي السريع" الذي قد لا يكون بالصورة الوردية التي تظهر للمشاهد. دعنا نُفكك مصادر هذا الدخل بشكل منطقي وعملي:
1. إعلانات الشركات (المنجم الذهبي في الخليج)
سوق الإعلانات في منطقة الخليج العربي، وتحديداً في السعودية والإمارات، يُعتبر من الأضخم عالمياً من حيث القوة الشرائية والميزانيات المرصودة للتسويق الرقمي:
- أسعار السنابات والفيديوهات الترويجية: إعلان مدته 15 إلى 30 ثانية لمشهور من الصف الأول (Class A) قد يتراوح سعره بين 10,000 إلى أكثر من 40,000 دولار أمريكي (ما يعادل 37,000 إلى 150,000 ريال سعودي) للإعلان الواحد والوحيد.
- بمعادلة بسيطة، لو قام المشهور بعمل إعلانين فقط في الأسبوع، فإن دخله الشهري من الإعلانات المباشرة قد يتجاوز بسهولة حاجز الـ 100 ألف دولار.
2. جولات تيك توك والدعم المباشر (البثوث)
البث المباشر ونظام "الجولات" والتحديات على تيك توك يمثلان ما يشبه "صناعة التبرعات والوجاهة الاجتماعية":
- الداعمون الكبار (أو ما يُطلق عليهم الحيتان) يدفعون مبالغ طائلة لشراء العملات والأسود والقصور الافتراضية لدعم مشاهيرهم المفضلين بهدف الفوز بالتحديات أو لفت الانتباه.
- رغم أن منصة تيك توك تقتطع نسبة ضخمة تصل إلى 50% أو 60% من قيمة هذه الهدايا، إلا أن ما يتبقى للمشهور من جولة واحدة مدتها ساعة قد يعادل ميزانية وظيفة سنوية لبعض الأشخاص.
3. التسويق بالعمولة وأكواد الخصم
هذا هو المحرك الصامت والأقوى لثروات مشاهير السوشيال ميديا، والذي لا ينتبه له الكثير من المتابعين:
- عندما يروج المشهور لكود خصم خاص بمتجر عطور، أو مستحضرات تجميل، أو تطبيق توصيل، فهو لا يحصل على أجر الإعلان فقط.
- الاتفاقية الأقوى تكون نسبة مئوية (تتراوح بين 5% إلى 15%) من قيمة كل مبيعة تتم باستخدام كوده الخاص. مع قاعدة جماهيرية بالمليون، يمكن لكود خصم واحد أن يدر دخلاً مستمراً بمئات آلاف الدولارات شهرياً دون أي جهد إضافي.
4. الاستثمار في البراند الشخصي والمشاريع الخاصة
المشاهير الأذكياء يدركون أن عمر الشهرة الافتراضية قد يكون قصيراً، لذلك يستغلون تدفق السيولة النقدية لإنشاء مشاريع حقيقية على الأرض مثل: خطوط أزياء، براندات عطور خاصة، مقاهي ومطاعم. الميزة هنا أن تكلفة التسويق لديهم تكون "صفر" لأنهم يسوقون لمنتجاتهم بأنفسهم، مما يجعل أرباحهم الصافية خيالية.
جانب "الوهم والمظاهر" والخدع التسويقية
إلى جانب الأرباح الحقيقية، هناك "برستيج" وصورة ذهنية يجب على المشهور المحافظة عليها لضمان استمرار تدفق الإعلانات، وتعتمد على عدة أساليب:
- عقود المقايضة والخدمات المجانية: السفر الفاخر، الإقامة في فنادق 5 نجوم بدبي، وعمليات التجميل غالباً ما تكون مجانية تماماً مقابل "تغطية إعلانية"، وليست مدفوعة من جيب المشهور.
- الإيجار والتمويل: الكثير من السيارات الفارهة التي تظهر في المقاطع تكون مستأجرة بأسعار يومية لأغراض التصوير لجذب الانتباه وزيادة التفاعل، أو تكون بنظام التأجير التمويلي طويل الأجل الميسر للمشاهير الذين يملكون سجلات تجارية قوية.
الخلاصة
نعم، الأرباح حقيقية جداً وفوق الخيال بسبب حجم الاقتصاد الإعلاني الضخم في منطقتنا العربية. لكن تذكر دائماً أن ما تراه في المقاطع هو "المنتج النهائي" والواجهة اللامعة فقط، وهناك كواليس تسويقية، وعقود تجارية معقدة، وفي بعض الأحيان مظاهر مستعارة لخدمة هذه التجارة المدرة للأموال.