هذا التساؤل يراود الملايين فعلاً، والمنظر للوهلة الأولى يبدو غير منطقي؛ شباب وبنات في مقتبل العمر يحققون ثراءً فاحشاً وسريعاً يعجز عنه كبار الأطباء والمهندسين وأصحاب الشركات التقليدية. لكن، بعيداً عن نظريات المؤامرة، هناك آليات اقتصادية حقيقية وضخمة جداً تحرك هذا المجال في عصرنا الحالي.
1. أرقام فلكية من "جولات" البث المباشر
ما يراه البعض مجرد تسلية أو "كبس كبس" هو في الحقيقة سوق يتدفق فيه ملايين الدولارات شهرياً. هدايا التيك توك (مثل الأسد، والكون، وغيرها) ليست مجرد رسومات، بل لها قيمة مالية حقيقية بالدولار:
- تقاسم الأرباح: يأخذ تيك توك نسبة تصل إلى 50% تقريباً من قيمة الهدية، والـ 50% المتبقية تذهب مباشرة للمؤثر كأرباح صافية.
- جولات التحدي الكبرى: في التحديات الكبرى بين مشاهير الخليج أو الوطن العربي، قد يصل مجموع النقاط في جولة واحدة مدتها 5 دقائق إلى ما يعادل 50 ألف أو حتى 100 ألف دولار. المؤثر قد يخرج من بث مدته ساعتين بربح صافي يتجاوز عشرات الآلاف من الدولارات في ليلة واحدة.
- ظاهرة "الداعمين": هناك رجال أعمال، ومراهقون من عائلات ثرية، أو حتى أشخاص يبحثون عن الوجاهة الرقمية والشهرة، ينفقون مبالغ طائلة لدعم مشاهير معينين لمجرد إثبات الوجود والمنافسة في الصدارة.
2. عقود الإعلانات والرعايات (المنجم الحقيقي للذهب)
البثوث المباشرة هي جزء من الصورة فقط، لكن المنجم الحقيقي والأكثر استدامة هو الإعلانات التجارية. في مدن مثل الرياض ودبي، تدفع الشركات مبالغ مرعبة للوصول لجمهور هؤلاء المشاهير:
- إعلان واحد مدته 15 ثانية في سناب شات أو تيك توك لمؤثر من الصف الأول قد يتراوح سعره بين 10,000 إلى 50,000 دولار أمريكي.
- إذا قام المؤثر بعمل 5 إلى 10 إعلانات فقط في الشهر لبراندات عطور، مطاعم، عيادات تجميل، أو تطبيقات، فإن الدخل الشهري يتجاوز مئات الآلاف من الدولارات بسهولة، وهذا يفسر السيارات الفارهة والفلل.
3. وكالات إدارة الأعمال والـ MCNs
المشاهير لا يعملون بمفردهم في الغالب. هناك وكالات إدارة أعمال رسمية (شركات تسويق رقمي) تتبنى هؤلاء الشباب في بداياتهم. هذه الوكالات قد توفر لهم السكن الفاخر والسيارات الفارهة كنوع من الاستثمار وإظهار "برستيج" معين يجذب معجبين ومعلنين أكثر، مقابل الحصول على نسبة من أرباحهم وإعلاناتهم المستقبلية. لذا، بعض ما تراه ليس ملكاً خاصاً للمؤثر بالكامل، بل هو جزء من "العرض والتسويق" الممول من الوكالة.
4. الاستثمارات الذكية والمشاريع الخاصة
المؤثر الذكي يعلم أن عمر الشهرة الرقمية قد يكون قصيراً، لذلك يسارع الكثير منهم إلى تحويل المتابعين إلى زبائن من خلال:
- إطلاق علامات تجارية خاصة بهم (عطور، مستحضرات تجميل، ملابس).
- الاستثمار في المطاعم والمقاهي (التي تنجح فوراً بفضل تسويقهم المجاني لها).
- الاستثمار في العقارات في دبي والرياض لتأمين دخل سلبي مستدام.
هل هناك غسيل أموال؟
لا يمكن إنكار أن أي مجال يتدفق فيه كاش سريع وعبر الإنترنت قد يساء استغلاله من بعض الأفراد بطرق غير قانونية، والجهات الرقابية في الخليج أصبحت تفرض قيوداً صارمة جداً وتطلب تراخيص رسمية للإعلانات (مثل ترخيص "موثوق" في السعودية) وتراقب التحويلات البنكية للمشاهير. لذلك، الغالبية العظمى من هذه الأموال هي قانونية وتأتي من "اقتصاد الانتباه" والإعلانات والدعم الفعلي.
خلاصة القول
الموضوع ليس سحراً، بل هو قوة "الانتشار الرقمي". عندما يتابع شخصاً ما 5 أو 10 ملايين متابع، فإنه يتحول إلى محطة تلفزيونية متنقلة. والشركات مستعدة لدفع مبالغ طائلة للظهور في هذه المحطة لأن المستهلكين اليوم يقضون ساعاتهم خلف شاشات الهواتف بدلاً من شاشات التلفزيون التقليدية.