سؤالك في محله تماماً، وهو شعور طبيعي جداً يراود أي شخص يعمل بجد في وظيفة تقليدية ويرى هذه الطفرة المفاجئة في ثراء شباب في مقتبل العمر. بصفتي مطلعاً على كواليس صناعة المحتوى والتسويق الرقمي في العالم العربي، يمكنني أن أجيبك بوضوح وبأرقام وحقائق واقعية: نعم، هناك مبالغ خيالية تُصنع فعلاً، ولكن ليس بالشكل الذي تتخيله، والشو أو "البروباجندا" يلعب دوراً كبيراً في هذه الصورة.
لكي نفهم الصورة كاملة، يجب أن نفكك مصادر دخل هؤلاء المشاهير ونفرق بين الحقيقة والاستعراض:
1. من أين تأتي الأموال الحقيقية؟ (ليست من المشاهدات فقط)
يعتقد الكثيرون أن يوتيوب أو تيك توك يدفعون ملايين الدولارات مقابل المشاهدات. هذا غير صحيح في عالمنا العربي؛ فالعائد المادي من الإعلانات التلقائية (AdSense) في الشرق الأوسط يعتبر منخفضاً مقارنة بأمريكا وأوروبا. الملايين الحقيقية تأتي من مصادر أخرى:
- رعايات الشركات (Sponsorships): هذا هو المنجم الحقيقي. شركة عقارات، أو ماركة سيارات، أو تطبيق إلكتروني قد يدفع لصانع محتوى صف أول ما بين 10,000 إلى 50,000 دولار (وقد يزيد) مقابل فيديو واحد يتحدث فيه عن منتجهم لمدة دقيقة.
- أكواد الخصم والتسويق بالعمولة (Affiliate Marketing): عندما ترى مشاهير يروجون لمنتجات ويطلبون منك استخدام كود الخصم الخاص بهم، فهم يحصلون على نسبة مئوية من كل عملية بيع تتم عبر هذا الكود. في الخليج تحديداً، هذه الأكواد تدر مئات الآلاف شهرياً لبعض المشاهير.
- برامج دعم المنصات (مثل سناب شات): منصة "سناب شات" ومن خلال ميزة "أضواء" (Spotlight) وزعت مبالغ ملايين الدولارات على صناع المحتوى في الخليج بشكل جنوني لفترة طويلة، وساهمت فعلياً في ثراء سريع لشباب وعائلات بأكملها.
- إطلاق بيزنس خاص: الذكي منهم يستخدم شهرته لإنشاء براند عطور، مطعم، خط أزياء، أو شركة مستحضرات تجميل. الشهرة هنا توفر ملايين الدولارات التي كان ينبغي إنفاقها على التسويق.
2. جانب "الشو" والفبركة (ما خلف الكواليس)
هنا يأتي الجزء الذي يجعلك تشعر أنك "مضحوك عليك"، وهو حقيقي في كثير من الأحيان:
- السيارات الفارهة المستأجرة: جزء كبير من مشاهير تيك توك وإنستغرام يستأجرون السيارات الفارهة باليوم أو الأسبوع لتصوير المقاطع وإيهام المتابعين بالثراء السريع، لأن "صورة الثراء" تجذب متابعين أكثر، وبالتالي تجذب معلنين أكثر. إنها حلقة تسويقية خبيثة.
- التعاون مع الشركات العقارية والفنادق: الفيلات الفخمة في دبي أو المنتجعات السياحية غالباً ما تكون مستضافة بالكامل (مجاناً) مقابل إعلانات وتغطيات مستمرة، أو يتم استئجارها لفترات قصيرة للتصوير فقط والادعاء بأنها ملكية خاصة.
- سيكولوجية "بيع الوهم": إظهار نمط الحياة الفاره يجلب تفاعلاً ضخماً. المشاهد العربي يعشق متابعة حياة الأثرياء، والمشاهير يعرفون هذه القاعدة الذهبية ويلعبون عليها باحترافية.
3. الواقع المرير الذي لا تراه
ما تراه على الشاشة هو الـ 1% فقط من صناع المحتوى الذين نجحوا ووصلوا إلى القمة. خلفهم هناك آلاف الشباب الذين يقضون ساعات طويلة في التصوير والمونتاج ولا يحصلون على شيء، أو يعيشون في ديون بسبب محاولة تقليد هذا المظهر الفاخر لجذب المعلنين.
بالإضافة إلى ذلك، هذه المهنة تفتقر تماماً للأمان الوظيفي؛ فقد يختفي المشهور في ثوانٍ بسبب "إلغاء" الجمهور له (Cancel Culture)، أو إغلاق حسابه، أو تغيير خوارزميات المنصات. كما أن ضريبة انتهاك الخصوصية والعيش تحت المجهر طوال 24 ساعة هي ضريبة نفسية باهظة جداً لا تظهر في الفيديوهات القصيرة.
الخلاصة:
الأرقام والملايين حقيقية وموجودة في هذا المجال لمن عرف كيف يستغل الشهرة تجارياً ويسوق للشركات الكبرى، ولكن 70% مما تراه من مظاهر البذخ مبالغ فيه ومصنوع لأغراض تسويقية بحتة. لا تقارن جهدك ووظيفتك المستقرة بصورة برّاقة مجتزأة من حياة شخص آخر؛ فخلف كل سيارة فارهة تراها، هناك عقود إعلانية معقدة، وضغوطات نفسية، وأحياناً ديون لا يعلم عنها أحد.